حسن حنفي
6
من العقيدة إلى الثورة
العدل مرة أخرى ، مرة لاثبات حق الله ومرة لاثبات حق الانسان ، وكأن أفعال الانسان وحريته واستقلاله يتنازعهما حقان ، كلاهما شرعي : حق اللّه باعتباره خالقا وحق الانسان باعتباره مسؤولا . والدفاع عن حق الله دون حق الانسان ليس موقفا انسانيا شرعيا بل يكشف عن اغتراب الانسان وعجزه عن الدفاع عن حقوقه ومزايدته على حق غيره ، في حين أن الدفاع عن حق الانسان دون حق اللّه أقرب إلى موقف الانسان الشرعي دون مزايدة في الدفاع عن حق غيره ، خاصة وان حق الانسان أولى بالدفاع لأنه الحق المهضوم ، في حين أن حق اللّه قائم بلا منازع ، واللّه أقدر على الدفاع عن حقه . فإذا كان الاغتراب الانساني النظري قد ظهر في الذات والصفات فان الاغتراب العملي يظهر في خلق الافعال وفي الحسن والقبح العقليين وان كان بصورة أقل نظرا لبروز الانسان من كنف اللّه وظهور العدل من بطن التوحيد . فبالرغم من أن خلق الافعال داخلة عند القدماء في نظرية الذات والصفات والافعال ( الأشاعرة ) الا أنها أدخل في العدل ، أي في أفعال الانسان ( المعتزلة ) لتعلقها بحرية الافعال وبالحسن والقبح العقليين « 3 » . ومن ثم كان الانسان أظهر في الافعال منه في الذات والصفات . وهنا يبدو التذبذب بين النظر إلى الافعال كاستمرار لنظرية الذات والصفات أي كحديث عن اللّه أم كحديث صريح عن حرية الافعال والحسن والقبح والصلاح والأصلح أي كحديث عن الانسان . والحقيقة أن هناك اختفاء تدريجيا للّه وظهورا تدريجيا للانسان من الذات إلى الصفات إلى الافعال . فأوصاف الذات أقرب إلى اللّه ، والصفات ما بين الانسان واللّه ، والأسماء أقرب إلى الانسان كتعبير نهائي عن عواطف التعظيم والاجلال وكأن القضية أصبحت اثنين اثنين ، اثنين لله ، الذات والصفات ، واثنين للانسان ، خلق الافعال ، والحسن والقبح العقليين ، وهما الأصلان الأولان من أصول المعتزلة ، التوحيد والعدل . يشمل التوحيد الذات والصفات ، والعدل خلق الافعال والحسن والقبح العقليين .
--> ( 3 ) الطوالع ، الباب الثالث ، في أفعاله ص 189 - 198 وأيضا « المقاصد » .